أبي الفتح الكراجكي

118

كنز الفوائد

فلا النفس تنهاني وتبصر رشدها * وأكره إتيان العقاب على علم ولسنا نشك في أن الشاعر عني بقوله لست أسطيع تركها أن تركها يثقل عليه ولا يلائم طبعه وأنه لم ينف الاستطاعة في الحقيقة عن نفسه ولو كان أراد نفيها لم يكن معنى لقوله وأحذر إن واقعتها ضرر الإثم وقوله وأكره إتيان العقاب على علم . وعلى هذا المعنى يتأول قول الله عز وجل ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ . وهو أنهم لاستثقالهم استماع آيات الله تعالى وكراهتهم تأملها وتدبرها جروا مجرى من لا يستطيع السمع كما يقال لمن عهد منه العناد واستثقال استماع الحجج والبينات ما يستطيع استماع الحق وما يطيق أن يذكر له قال الأعشى « 1 » ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل ونحن نعلم أنه قادر على الوداع وأنما نفى قدرته عليه من حيث الكراهية والاستثقال ومعنى قوله وَما كانُوا يُبْصِرُونَ أن أبصارهم لم تكن نافعة لهم ولا مجدية عليهم نفعا لإعراضهم عن تأمل آيات الله عز وجل وتفهمها فلما انتفت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفي عنهم الإبصار نفسه كما يقال عن المعرض عن الحق العادل عن تأمله « 2 » ما لك لا تسمع ولا تعقل . وقد تأول الشريف المرتضى رحمه الله هذه الآية على وجه آخر « 3 » وهو أن يكون ما في قوله ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ليست للنفي بل تجري مجرى

--> ( 1 ) هذا البيت مطلع معلقة الأعشى المشهورة وهو من شعراء الجاهلية المشهورين أدرك الإسلام ولم يسلم توفّي سنة ( 7 ) للهجرة و ( 629 م ) وهو الأعشى ميمون بن قيس ينتهي إلى نزار ، ويقال له صناجة العرب لجودة شعره . ( 2 ) في الأصل تأملها . ( 3 ) انظر كلامه على هذه الآية في الآمالي م 2 ص 163 - 167 .